السيد محمد الصدر

348

منة المنان في الدفاع عن القرآن

وحسب الفهم الآتي ، فإن المراد من الآية : أن الكفار والمشركين سوف لن يتغيروا ولن يتوبوا حتى تأتيهم البينة . ولن ينفكوا عن دينهم إلّا بإقامة الحجة . كما سيأتي . وعلى هذا ، فإنه يترجح كون « من » للتبيين لا للتبعيض - كما رجح الميزان - لأن المراد جنس الكفار لا بعضهم . سؤال : إن أهل الكتاب أخذوا في الآية في مقابل المشركين ، مما يظهر أنهم ليسوا بمشركين : مع أننا نعلم أنهم مشركون . فكيف صح ذلك ؟ جوابه : من وجهين : الوجه الأول : إنه من عطف العام على الخاص ، حيث اقتضت المصلحة ذكر أهل الكتاب لكي يلتفتوا ، ولكي لا يحصل جدل بينهم . ومعه لا يتعين من التعبير أن لا يكون أهل الكتاب من المشركين . الوجه الثاني : إنه يمكن القول إنهم ليسوا بمشركين ، فإن كان ظهور الآية بذلك ، فهو ليس أمرا مستنكرا . وتقريب ذلك من وجوه : أولا : إنهم باعتبار دينهم الأصلي ليسوا بمشركين جزما . ثانيا : إننا نعدهم غير مشركين احتراما لأنبيائهم كما قربنا ذلك في ما وراء الفقه « 1 » . ثالثا : إنهم عمليا ليسوا بمشركين بل موحدون . أما اليهود فإنهم وإن كانوا يميلون إلى التجسيم إلّا أن التجسيم لا يتنافى مع التوحيد . وأما النصارى فلأنهم وإن آمنوا بالثالوث المقدس إلّا أنهم يعتبرون الأهم في الثلاثة هو الأب ، فهو الخالق حقيقة ، والباقي مخلوقون . فعاد الأمر إلى نحو من أنحاء التوحيد . رابعا : إن المشركين اسم لعبدة الأصنام خاصة ، إما مطلقا أو من كان منهم في الجزيرة العربية . لأن المعهود يومئذ هذان القسمان ، فكان مقتضى قاعدة « كلم الناس على قدر عقولهم » هو الإشارة إليهم . وإن كان يمكن التجريد عن الخصوصية من كل تلك النواحي .

--> ( 1 ) ج 1 ، ق 1 ، ص 188 .